محمد الريشهري

3253

ميزان الحكمة

[ 3853 ] مناجاة الإمام علي ( عليه السلام ) - عروة بن الزبير : كنا جلوسا في مسجد النبي ( صلى الله عليه وآله ) فتذاكرنا أحوال أهل بدر وبيعة الرضوان ، فقال أبو الدرداء : يا قوم ألا أخبركم بأقل القوم مالا ، وأكثرهم ورعا ، وأشدهم اجتهادا في العبادة ؟ قالوا : من هو ؟ قال : علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) . قال : فوالله إن كان في جماعة ذلك المجلس إلا معرض عنه بوجهه ، ثم انتدب له رجل من الأنصار يقال له : عويمر فقال : لقد تكلمت بكلمة ما وافقك عليها أحد منذ أتيت بها . فقال أبو الدرداء : يا قوم إني قائل ما رأيت وليقل كل واحد منكم ما رأى ، رأيت وشاهدت علي بن أبي طالب بسويحات بني النجار وقد اعتزل عن مواليه واختفى ممن يليه وقد استتر ببعيلات النخل فافتقدته وبعد علي مكانه فقلت : لحق بمنزله ، فإذا بصوت حزين ونغمة شجي وهو يقول : إلهي كم من موبقة حلمت عن مقابلتها بنعمتك ، وكم من جريرة تكرمت عن كشفها بكرمك ، إلهي إن طال في عصيانك عمري وعظم في الصحف ذنبي فما أنا مؤمل غير غفرانك ، ولا أنا راج غير رضوانك ، فشغلني الصوت واقتفيت الأثر فإذا هو علي بن أبي طالب بعينه ، فاستترت لأسمع كلامه وأخملت الحركة فركع ركعات في جوف الليل الغابر ، ثم فرغ إلى الدعاء والتضرع والبكاء والبث والشكوى ، فكان مما ناجى به الله عز وجل أن قال : اللهم إني أفكر في عفوك فتهون علي خطيئتي ، ثم أذكر العظيم من أخذك فتعظم علي بليتي ، ثم قال : آه إن قرأت في الصحف سيئة أنا ناسيها وأنت محصيها فتقول : خذوه ، فياله من مأخوذ لا تنجيه عشيرته ، ولا تنفعه قبيلته ، ترحمه الملأ إذا أذن فيه بالنداء . ثم قال : آه من نار تنضج الأكباد والكلى ، آه من نار نزاعة للشوى ، آه من غمرة في ملهبات لظى ، ثم أمعن في البكاء فلم أسمع له حسا ولا حركة ، فقلت : غلب عليه النوم لطول السهر أوقظه لصلاة الفجر ، قال أبو الدرداء : فأتيته فإذا هو كالخشبة الملقاة ، فحركته فلم يتحرك وزويته فلم ينزو ، فقلت : إنا لله وإنا إليه راجعون مات والله علي بن أبي طالب ، فأتيت منزله مبادرا أنعاه إليهم ، فقالت فاطمة : يا أبا الدرداء ما كان من شأنه وقصته ؟ فأخبرتها الخبر ، فقالت : هي والله يا أبا الدرداء الغشية التي تأخذه من خشية الله تعالى ، ثم أتوه بماء فنضحوه على وجهه فأفاق ونظر إلي وأنا أبكي فقال : ما بكاؤك يا أبا الدرداء ؟ فقلت : مما أراه تنزله بنفسك ، فقال : يا أبا الدرداء ! فكيف لو رأيتني وقد دعي بي إلى الحساب ، وأيقن أهل الجرائم بالعذاب ، واحتوشتني ملائكة غلاظ شداد وزبانية فظاظ ، وأوقفت بين يدي الجبار ، وقد أسلمني الأحباء ورحمني أهل الدنيا لكنت أشد رحمة لي بين يدي من لا يخفى عليه خافية ، قال أبو الدرداء : فوالله ما رأيت ذلك لأحد